محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
402
بدائع السلك في طبائع الملك
الإنارة الثالثة : توسع الحيلة في الاكتساب بحسب مزيد الفطنة وجودة الفكر والروية . قال بعض الحكماء : يتحرى أيضا بباله ضروب المهن ، وما يمكنه أن ينفذ فيه حيلة ، ولا يحفل فيما ينفقه من ذلك بقول قائل . قال : وبالجملة : فهنا في خدمة السلطان والصنائع اللطيفة أشياء يمكن الفهم أن يخترع منها في بلد دون بلد ووقت دون وقت مكسبا يخالف به العامة ان ساعده البخت . الإنارة الرابعة : سلامة السعي من الضر وكثرة التعب ، وان كان الربح أقل . وحيث لا يتهيأ ذلك ويضطر « 131 » إلى الحركة ، وخصوصا في البحر ، فعلى شرطين : أحدهما : تخير الأوقات التي تغلب فيها السلامة ، مع تقدم استجادة المراكب الكبار ، غير القديمة والكاملة العدة ، الحاذقة النواتية . والثاني : تقليل مسافة الجري فيه ما أمكن . قال بعض الحكماء : وهذه أمور متى أحرزها الحازم ، مع تقليل ركوبه ، كان أقرب إلى السلامة . الإنارة الخامسة : اقتصاد النفقة بتوسطها بين رذيلتي السرف والتبذير . قال البلخي « 132 » المال انما يقتنى ليرتفق به في مصالح المعاش ، وبإزاء كل جمع منه تفريق ، ومقابل كل كسب منه انفاق ، ولكل دخل منه خرج . قال : ولذلك : قد يوجد المال الكثير ، إذا انفق منه باسراف ، لم يلبث ان ينفد ويفنى ، حتى يبقى صاحبه عائلا مملقا . قلت : وفيما ارشد اليه الكتاب العزيز مع وضوح معناه كفاية ، قال تعالى والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما « 133 »
--> ( 131 ) س : ويظهر . ( 132 ) البلخي : أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخي نسبة إلى بلخ ويعرف أيضا بالكعبي - من كبار رجال المعتزلة . ولد عام 273 ه ، واختلف في تاريخ وفاته ما بين سنتي 309 أو 317 ه . لسان الميزان ، ج 3 ، ص 255 . شذرات الذهب ج 2 ص 281 ، تاريخ بغداد ، ج 3 ، ص 384 . ( 133 ) آية 67 ، سورة 25 .